ابن كثير
15
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
صحيحا كما تقول : عندي ألف ، وأنا محتاج إلى مثليها ، وتكون محتاجا إلى ثلاثة آلاف ، كذا قال ، وعلى هذا فلا إشكال . لكن بقي سؤال آخر وهو وارد على القولين ، وهو أن يقال : ما الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى في قصة بدر وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا [ الأنفال : 44 ] فالجواب أن هذا كان في حالة والآخر كان في حالة أخرى ، كما قال السدي عن الطيب عن ابن مسعود في قوله تعالى : قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا الآية ، قال : هذا يوم بدر ، قال عبد اللّه بن مسعود : وقد نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا ، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدا ، وذلك قوله تعالى : وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ الآية . وقال أبو إسحاق عن أبي عبيدة ، عن عبد اللّه بن مسعود قال : لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جانبي : تراهم سبعين ؟ قال : أراهم مائة ، قال : فأسرنا رجلا منهم ، فقلنا ، كم كنتم ؟ قال : ألفا ، فعند ما عاين كل من الفريقين الآخر ، رأى المسلمون المشركين مثليهم ، أي أكثر منهم بالضعف ليتوكلوا ويتوجهوا ويطلبوا الإعانة من ربهم عز وجل ، ورأى المشركون المؤمنين كذلك ليحصل لهم الرعب والخوف والجزع والهلع ، ثم لما حصل التصاف والتقى الفريقان ، قلل اللّه هؤلاء في أعين هؤلاء ، وهؤلاء في أعين هؤلاء ، ليقدم كل منهما على الآخر . لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا أي ليفرق بين الحق والباطل ، فيظهر كلمة الإيمان على الكفر والطغيان ، ويعز المؤمنين ويذل الكافرين ، كما قال تعالى : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ [ آل عمران : 123 ] وقال هاهنا وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ أي إن في ذلك لمعتبرا لمن له بصيرة وفهم يهتدي به إلى حكمة اللّه وأفعاله وقدره الجاري بنصر عباده المؤمنين في هذه الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 14 إلى 15 ] زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ( 14 ) قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 15 ) يخبر تعالى عما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين ، فبدأ بالنساء ، لأن الفتنة بهن أشد ، كما ثبت في الصحيح أنه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال « ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء » « 1 » فأما إذا كان القصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد ، فهذا مطلوب
--> ( 1 ) صحيح البخاري ( نكاح باب 17 ) وصحيح مسلم ( ذكر حديث 97 و 98 )